الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

250

تفسير روح البيان

الحكيم وان الشقي الخاسر من عصى ربه العليم ثم بين انهم مثابون على ذلك الثبات والاتباع وان ذلك غير ضائع منهم فقال وَما كانَ اللَّهُ مريدا لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ اى ثباتكم على التصديق بجميع ما جاء به النبي عليه السلام من غير أن ترتابوا في شئ من ذلك إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ متعلق برؤف لَرَؤُفٌ اى ذو مرحمة عظيمة لهم حيث نقلهم برحمته من ذلك إلى هذا وهو أصح لهم رَحِيمٌ يغفر ذنوبهم بالايمان وإيصال الرزق : قال السعدي فرو ماند كانرا برحمت قريب * تضرع كنانرا بدعوت مجيب - روى - انه أخذ بعض أمراء الكفار وكان جائرا قاتلا في زمن داود عليه السلام فصلب فوق الجبل عشاء ورجع الناس إلى منازلهم وبقي هذا على الخشبة وحده وتضرع إلى آلهته فلم يغنوا عنه شيأ ثم رجع إلى اللّه وقال أنت اللّه الحق أتيت إليك لتغيثنى برحمتك قال اللّه تعالى يا جبريل ان هذا عبد آلهته طويلا فلم ينتفع ففزع إلى ودعاني فاستجبت له فاهبط إلى الأرض وضعه على الأرض في سلامة وعافية ففعل فلما أصبحوا رأوه وهو حي يصلى للّه تعالى فأخبروا داود بذلك فدعا اللّه فيه مستكشفا سره فأوحى اللّه اليه يا داود انى ارحم من آمن بي ودعاني فإن لم افعل فأي فرق بيني وبين آلهته * واعلم أن جماعة قد ارتدوا عن الإسلام عند تحويل القبلة لتعلقهم بما سوى اللّه تعالى وعدم فنائهم في اللّه ورضاهم بما يجئ عليهم من القضاء فاخذتهم الكدرة كالسيل واما الذين سعدوا سعادة أزلية فلم يتعلقوا في الحقيقة بيت المقدس ولا بالكعبة بل الرب الخالق لهما ولغيرهما وفنوا عن إرادتهم فجاءت إرادة اللّه لهم كالشهد المصفى فأخذهم السرور والصفا : قال الصائب مهياى فنارا از علايق نيست پروايى * نينديشد ز خار آنكس كه دامان بر كمر دارد ذكر ان أبا القاسم الجنيد البغدادي لما رأوه في وادي الوله ظنوا انه مرض أو جن فجعلوه في دار الشفاء فزاره بعض من يدعى حبه فقال لهم من أنتم فقالوا نحن أحباؤك فرماهم بالأحجار ففروا من عنده وقالوا قد غلب عليه الجنون فقال تدعون الحب بأقوالكم وقد يكذبها أفعالكم فالمحب من اسره ما أصابه من الحبيب فلذلك قد عد أشد البلاء عند الأنبياء والأولياء ألذ من الحلوى فاكتسوا حلل التسليم والاصطبار وغاصوا في لجج المكاشفات والمشاهدات واشتغلوا مع الجنان واللسان بالتوحيد وذكر الملك المنان حتى عدوا الالتفات إلى غيره ولو بأكل لقمة من الموانع فلذلك ارتقوا في الفناء والبقاء إلى غاية المبتغى ولما قال موسى عليه السلام رب أرني انظر إليك قال يا موسى لن تراني في البساط الفاني اصبر حتى اجعله باقيا حتى تراني يا موسى رعيت غنم شعيب عشر سنين ا تريد ان تراني بعبادة أربعين يوما ثم اصطفاه وأعطاه ما أعطاه فلما رجع إلى قومه رأى في الطريق الجبل الأعلى فسأل عنه متعجبا فقال الجبل يا موسى كنت ترعى الغنم في وعلى رأسك قلنسوة وفي يدك عصا فاللّه الذي اصطفاك برسالاته وبكلامه لقد جعلني الأعلى بفضله وانعامه اللهم اجعلنا على صراطك المستقيم واتباع رسولك الكريم واهدنا التوجه إلى كعبة ذاتك والانجذاب إليك والوصول إلى مشاهدتك قَدْ لفظ قد في المضارع للتقليل وقد استعمل هاهنا للتكثير بطريق الاستعارة للمجانسة بين الضدين في الضدية نَرى مستقبل لفظا ماض معنى ومتأخر تلاوة متقدم معنى لأنها رأس القصة والمعنى